الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية في ذكرى وفاة محمد الشرفي العاشرة: مقتطفات من كتابه" الإسلام والحريّة، الالتباس التاريخي"

نشر في  08 جوان 2018  (11:37)

في ذكرى وفاة الأستاذ محمد الشرفي (6 جوان 2008- 6 جوان 2018)

اهدي هذا النص لمتنوّري تونس

أراء في التنوير للأستاذ محمد الشرفي
عرض الأستاذ عميره عليّه الصغيّر 
المعهد العالي لتاريخ تونس المعاصر

المرحوم الأستاذ محمد الشرفي (1936-2008) هو ذاك المناضل اليساري والحقوقي الصّلب و أستاذ القانون المتميز و رجل الدولة باستحقاق، وزير التربية و التعليم العالي في ما بين 1989 و 1994، يعتبر من رجال التحديث في تونس، رغم تبخِيسه من خصومه و حتى نعته ، حيّا و ميّتا ، ب " الأب الروحي لليسار الفاسد".

كتاباته و تدخلاته في قضايا التحديث والتعطّل التاريخي للمجتمعات العربية و الإسلاميّة عديدة و لعلّ مؤلّفه " الإسلام والحريّة، الالتباس التاريخي" الصادر بالفرنسية في الأوّل سنة 1999 يعتبر من أشهر مساهماته الفكرية في جهد التنويريّين التونسيين و العرب و له رهانيّة خاصة حاليا في تونس لصعود الاشكاليات، التي كان تناولها، للسطح بعد الثورة و لاستشراء العنف الأصولي في تونس و الذي وقف الأستاذ الشرفي عند جذوره. ونحن نستعمل هنا الترجمة العربيّة لهذا الكتاب الصادرة بتونس سنة 2009 عن دار الجنوب.
و لبسط أهم أراء محمد الشرفي التي أوردها في مؤلّفه هذا في مجال التحديث و القضايا التاريخية و السياسية ذات الارتباط حبّذنا، عوض محاكاة الكتاب، أن نقدم مختارات منه و في نصّها الأصلي.
1- في التعصّب الديني
"أنّ حجم ضحايا التعصب الديني لم يبلغ في ايّ موضع من العالم الإسلامي كما تشهد على ذلك الوقائع في مصر و في أفغانستان و الجزائر على وجه الخصوص. فلا بدّ و الحالة هذه أن تكون هناك أسباب خاصة وراء ظاهرة تنامي التعصّب الديني في البلدان الإسلامية. و في هذا الصدد عادة ما يتمّ اللجوء، قصد تفسير هذا التعصب، إلى العوامل الاقتصاديّة و الاجتماعية و ما يتصل بها كالفقر والفاقة و البطالة و الأزمة السكنية و نزوح الأرياف على المدن، و مظاهر الفساد كالرشاوى أينما كانت و حيثما وُجدت، و الأنظمة السياسيّة و الحرّيات العامة و غير ذلك (...) و يعود السبب في ذلك الى أنّ الهياكل السياسيّة ، و الأنظمة القانونيّة ، و البرامج الاقتصادية ، و البُنى الاجتماعيّة قد حققت تطوّرا كبيرا ،في حين أنّ كلاّ من أنساق المرجعيات الثقافيّة و الخطاب السياسي قد بقي في المؤخرة" .
2- الحداثة المتردّدة
"(...)انّ الحداثة التونسيّة ، مع أنّها كانت حداثة حقيقيّة، ظلّت بفعل تصرّف بورقيبة حداثة منقوصة نظرا لافتقارها الى الديمقراطيّة.أمّا في البلدان العربيّة الإسلاميّة الأخرى فانّ تحديث الدولة و المجتمع لم تأخذه السلطات العموميّة مأخذ الأولويّة لذلك لذلك كانت الحداثة فيها أقلّ استبطانًا ممّا هي في تونس " .

3- التوفيق بين الإسلام و الحداثة
" انّ التوفيق بين الإسلام و الحداثة ليس فقط أمرا ممكنا و مرغوبا فيه و لكنّه أيضا أقرب ما يكون الى أشدّ القراءات وفاءً للدين و أقربها الى وقائع التاريخ.و إن لم يحصل ذلك حتى الآن فذلك مردّه لسلسلة من الأحداث التي لا شأن لها بروح الدين و لا بالنص القرآني بل هي من آثار سوء تفاهم تاريخي مؤسف.ذلك ما بيّنه دون هوادة مفكّرون مصلحون منذ قرن و نصف بيانًا مقنعًا و لئن ظلّ جزئيّا مبعثرا.لكنّ الحكّام يزيلون أفكارهم من البرامج المدرسيّة عن خوف أو دمغجة أو جهل و يستعيضون عنها بنظريات تقليديّة تجاوزتها الأياّم من أخطر آثارها أنّها تزجّ بالناشئة في متاهات الضياع " .
4- الدولة الدينيّة لا يمكن أن تكون ديمقراطيّة
"(...) أنّ التاريخ كلّه قد أبان بما فيه الكفاية استحالة أن تكون الحكومة الدينيّة ديمقراطيّة و انّه اذا كانت كلّ الدّكتاتوريات شنيعة فانّ أشنعها الدكتاتوريات الدّينيّة اذ هي لا تكتفي بالتحكّم في العلاقات السياسيّة و الاجتماعيّة، بل أيضا في المواقف الفرديّة ، و هي لا تكتفي بالتحكّم في السّلوكيات ، بل أيضا في الضمائر و ما تخفي الصدور. فالأصوليون يلتجؤون للإرهاب و هم يعتقدون أنّ ما يقومون به انّما هو بإرادة الله و ذلك ما يفسّر أنّ الأصولي الإسلامي الذي يقوم باغتيال الناس لا يفكّر في جسامة فعلته و لا في فظاعتها بل في ما سيناله، مجازاةً له ، من فراديس الجنّة ، و هو الاعتقاد الذي يحدوه مخلصًا اذا كان مجرّد مناضل قاعدي" .
5- المجتمع الأصولي 
"فمشروع المجتمع الذي لأجله يناضل الأصوليّون مجتمع كلّياني ديني لن يقتصر الأمر فيه على مصادرة جميع الحرّيات ،الفردي منها و الجماعي ، و لا على كسر طاقات الإبداع الأدبي و الفني ، و لا على منع الحوار الفكري و غلق الأذهان، بل سيتجاوز الأمر ذلك الى قمع النساء . و باختصار نقول انّه العودة الى القرون الوسطى أو قل العودة الى " عصورنا المظلمة "، و لكن بالسيارات و ما الى ذلك مما لم يعد لنا منه بدّ من منجزات التقدّم التقني" .
6- أكبر مشكل يواجه الإسلام و المسلمين في عصرنا
" كان على هؤلاء الشيوخ أن يفهموا أنّ قواعد قرآنيّة كثيرة قانونيّة في الظاهر ، قد نزلت في الحقيقة موافقة لظروف الجزيرة العربيّة زمن الوحي الذي حصل قبل أربعة عشر قرنا ،و أنّ مراعاة تغيّر الأزمنة واجبة ههنا ، وهي أكثر وجوبا فيما يتعلّق بما سنّه الصّحابة ثم التابعون ثم مؤسّسو المدارس الفقهيّة، و مجرّد ابتداع حيل يراوغون بها القاعدة يدلّ على أنّ هذه القاعدة قد تجاوزها الزمن، و لم تعد بالتالي قابلة للتطبيق الصحيح. ويدلّ لجوء الفقهاء إلى الحيل الفقهيّة و الذّرائع الشرعيّة على انّهم قد وعوا من ناحية أنّ القاعدة لم تعد مناسبة للواقع ، و أدركوا من ناحية أخرى أنّه في الإمكان عدم تطبيقها بما انّ وسائل مراوغتها موجودة ، أي أنّها غير الزاميّة في النهاية ، و إذا كانت قاعدة مّا غير مناسبة للواقع و غير الزاميّة أيضا ،فانّ تفكير العاقل السّليم لا يمكن الاّ أن يرى وجوب الغائها، و هذه الخطوة الفاصلة بين الوعي و الإلغاء خطوة لم يتجرّأ علماء الفقه على قطعها، و هذا أكبر مشكل يواجه الإسلام و المسلمين في عصرنا ، إذ مازال هؤلاء محافظين على قواعد صار معلوما-على الأقلّ عند أكثر علماء الفقه ذكاء – أنّها ليست ملائمة للواقع، و ليست الزاميّة دينيّا ، و لكن لا احد يتجرّأ على القول بأنّها صارت باطلة أو انّه يجب إبطالها " .
7- لا وجود لدولة إسلاميّة في القرآن
" و لا شكّ في أنّ الفقه يتعارض مع الحريّة، لكن الحريّة لا تتعارض مع الإسلام من حيث هو دين لأنّه لا توجد فيه نظريّة في الدولة ، و على الإسلاميّين المتبنّين شعار" القرآن هو الحل" أن يدركوا ذلك اذ لا وجود لدولة إسلاميّة في القرآن و لا في السنة و لم توجد في التاريخ دولة إسلامية حقّا و انّما استعمل الدين في سبيل أغراض سياسيّة" .
خاتمة العرض
لعلّ هذه الشذرات القليلة من فكر مصلح تونسي كبير و تنويري جسور تعيدُ له الاعتبار في أذهان البعض ممّن ظلموه و خاصة تكون حافزة لمن يجهلون اسهاماته في الإقبال عليها و التفكّر فيها.